مقال رأي
قانون حماية البيانات: الاتجاه صحيح… فهل الطريق جاهز؟
مع نهاية مهلة قانون حماية البيانات الشخصية المصري: ستة أسئلة عن أدوات الامتثال، وجاهزية المركز، وتجارب الدول الأخرى، وما نحتاجه.
عبدالله سعودي مؤسس FoundationCX
بعد أيام تنتهي مهلة توفيق الأوضاع في قانون حماية البيانات الشخصية (151 لسنة 2020)، ويبدأ تطبيقه الكامل. أكتب هذا وأنا أعمل مع فريقي على أدوات لهذا القانون، فاقرأ أسئلتي وأنت تعرف ذلك.
وأنا مع هذا القانون، لسببين:
- حماية بيانات الناس شيء أساسي، وليست رفاهية.
- القانون يدفع في اتجاه نحتاجه. هو لا يمنع الأدوات الأجنبية، لكن المادة 14 تجعل نقل البيانات أو تخزينها خارج مصر مشروطًا بترخيص، وبأن تكون الحماية هناك لا تقل عن مستواها عندنا. وهذا يشجّع أن تُحفظ بياناتنا وتُدار بأدوات محلية، وألا نعتمد اعتمادًا كاملًا على الحلول الأجنبية.
لكن القانون وحده لا يكفي. القانون يقول للشركة «افعلي». والسؤال: هل عندها الأداة، وهل عند الجهة المنظِّمة ما تتابع به، وهل يفهم السوق المطلوب منه؟ عندي ستة أسئلة.
السؤال الأول: هل أدوات الامتثال موجودة في السوق المصري؟
- أغلب الشركات تعمل على أدوات خوادمها خارج مصر. ولا يوجد حتى اليوم مزوّد سحابي أمريكي كبير له منطقة داخل مصر. وبيانات Gmail وGoogle Drive وMicrosoft 365 لشركة مصرية تُحفظ دائمًا في الخارج، أي أن المادة 14 تنطبق على الشركة من أول بريد ترسله.
- المنطقة السحابية العامة الوحيدة داخل مصر هي منطقة هواوي في القاهرة، وتعمل منذ مايو 2024.
- واتساب للأعمال لا يمكن حفظ بياناته داخل مصر، لأن مصر ليست في قائمة الدول التي توفّر فيها Meta التخزين المحلي.
- وأدوات إدارة الامتثال نفسها؟ الأدوات العالمية الكبرى، مثل OneTrust، تبدأ من نحو 10 آلاف دولار في السنة، وهي بالإنجليزية، ولا تذكر تفاصيل اللائحة المصرية. ولم نجد أداة مصرية مخصّصة للشركات الصغيرة.
يعني: نطلب من صاحب محل أو شركة صغيرة أن يمتثل، والأدوات المتاحة له إما أجنبية تجعل الامتثال أصعب، وإما مكلفة.
السؤال الثاني: هل أدوات المركز نفسه جاهزة؟
ما تحقق، ويُحسب للمركز:
- صدرت اللائحة التنفيذية في نوفمبر 2025.
- نشر المركز أدلة إرشادية عن التراخيص، وإشعار الخصوصية، والموافقة، ومسؤول حماية البيانات.
- فُتحت بوابة التراخيص الإلكترونية هذا الشهر.
وخطة المركز نفسها واقعية. في ندوة لجمعية رجال الأعمال المصريين في مايو 2026، قالت القائمة بأعمال الرئيس التنفيذي للمركز إنه سيبدأ بـ«الكيانات الكبرى»، ثم ينتقل «تدريجيًا للكيانات الأصغر»، وإن لمفتشيه صفة الضبطية القضائية.
السؤال:
- في مصر أكثر من 1.7 مليون منشأة رسمية في القطاع الخاص وحده، بحسب التعداد الاقتصادي الخامس. فما الذي يحتاجه المركز ليتابع هذا العدد، حتى لو على مراحل؟
- البوابة كان متوقعًا في الندوة نفسها أن تُفتح في يونيو، وفُتحت في أكتوبر، أي قبل نهاية المهلة بأسابيع. فهل تكفي هذه الأسابيع لشركة لم تبدأ بعد؟
- ولم نجد حتى الآن تصريحًا رسميًا يشرح ما الذي يحدث للشركات الصغيرة يوم 1 نوفمبر. إعلان واضح للمراحل يطمئن السوق أكثر من أي حملة.
السؤال الثالث: ماذا فعل غيرنا؟
- السعودية: قبل التطبيق الكامل في سبتمبر 2024، وضعت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) الأدلة الإرشادية وسجلًا إلكترونيًا مجانيًا للجهات على منصة حكومية واحدة.
- أوروبا: بين 2016 و2019 زاد عدد العاملين في هيئات حماية البيانات 42 % وميزانياتها 49 %، بحسب المفوضية الأوروبية. ومع ذلك كانت ميزانية نصف هذه الهيئات أقل من 5 ملايين يورو، بحسب تقرير نشرته Brave في 2020. والذي ساعد الشركات الصغيرة هناك لم يكن الغرامات، بل نماذج مجانية، وخطوط مساعدة، وأدوات جاهزة.
- كينيا: أعفت المنشآت الصغيرة من التسجيل، لكن الإعفاء لم يُعفها من القانون. من أوائل الغرامات، في سبتمبر 2023: مطعم نشر صورة زبون، ومدرسة نشرت صور تلاميذ. وحتى يونيو 2023 وصلت الجهةَ المنظِّمة 2,831 شكوى، قُبل منها 922، ولم يصدر قرار إلا في اثنتين.
- نيجيريا: رخّصت شركات محلية خاصة لتدقيق الامتثال والتدريب: 70 شركة في السنة الأولى، وأكثر من 2,600 وظيفة بحسب الجهة المنظِّمة. لكنها شطبت لاحقًا 19 شركة لضعف قدراتها. ويقول المسؤول عنها إن بلده يحتاج شهادة وطنية بدل الشهادات الأجنبية المسعّرة بالدولار.
القاسم المشترك: الأدوات المجانية، والسجل السهل، والجهات المحلية المؤهلة جاءت مع التطبيق أو قبله، لا بعده. وحيث لم تكفِ القدرة، تراكمت الشكاوى.
السؤال الرابع: مَن سيبني الأدوات، وهل نشجّعه؟
البنية التحتية تتحرك: في يونيو 2026 أعلن وزير الاتصالات أن الوزارة تُعدّ «استراتيجية وطنية متكاملة لمراكز البيانات والحوسبة السحابية» هدفها «تعزيز السيادة الرقمية». وجهاز تنظيم الاتصالات أصدر 10 تراخيص لمراكز بيانات في عامين.
والطبقة التي فوقها، الأدوات، ما زالت تنتظر:
- بحثنا عن برنامج لدعم الشركات الناشئة التي تبني أدوات امتثال أو حماية بيانات، عند هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) ومركز الإبداع التكنولوجي وكرياتيفا، ولم نجد برنامجًا مخصّصًا. توجد برامج عامة تذكر الأمن السيبراني ضمن قطاعات أخرى.
- قانون التعاقدات الحكومية (182 لسنة 2018، المادة 35) يعطي العرض المصري أفضلية حتى 15 %. لكن سياسة «السحابة أولًا» (2024) لا تعطي المزوّد المصري أي أفضلية.
يعني: نبني مراكز البيانات، ولم نبدأ بعد في دعم البرامج التي ستعمل عليها.
السؤال الخامس: هل السوق فاهم المطلوب منه؟
- لم نجد استطلاعًا منشورًا واحدًا عن جاهزية الشركات المصرية للقانون في 2025 أو 2026، من جمعية أو غرفة أو مكتب استشارات.
- آخر رقم وجدناه من 2021، قبل صدور اللائحة: دراسة على 246 شركة مصرية أجرتها Centurion Consulting لصالح Zoho. 10 % فقط تطبّق سياسات حماية بيانات العملاء تطبيقًا كاملًا، و19 % فقط تفهم قوانين حماية البيانات في المنطقة فهمًا كاملًا.
- وفي ندوة مايو 2026 نفسها، قال أحد المتحدثين من الجمعية إن الوعي هو التحدي الأكبر.
يعني: لا نعرف أين يقف السوق. وما لا نقيسه لا نستطيع أن نصلحه.
قد يقال…
- «الشركات أمامها منذ 2020». القانون صدر في 2020، لكن اللائحة التي تشرح المطلوب صدرت في نوفمبر 2025، والبوابة فُتحت في أكتوبر 2026. فالوقت العملي أقل من عام.
- «القانون لا يمنع الأدوات الأجنبية». صحيح. لكنه يجعل كل نقل للخارج مشروطًا بترخيص، وهذا عبء على شركة صغيرة لا تجد بديلًا محليًا.
- «بناء الأدوات مسؤولية السوق، لا الدولة». صحيح أيضًا. والمطلوب من الدولة هنا هو ما فعلته في مراكز البيانات: إشارة واضحة، وأفضلية للمنتج المحلي.
السؤال السادس: ما الذي نحتاجه؟
- إعلان واضح للمراحل: من يُطبَّق عليه القانون ومتى، بحسب الحجم والقطاع. المركز قال إنه سيبدأ بالكبار، فليكن ذلك مكتوبًا ومنشورًا.
- مسار مبسّط للمنشآت الصغيرة: نماذج جاهزة، وفحص ذاتي رسمي، وخط مساعدة. هذا ما ساعد الشركات الصغيرة في أوروبا.
- جهات محلية معتمدة تحمل العبء مع المركز: القانون يسمح للمركز باعتماد جهات استشارية. ومعها رقابة على الجودة، وشهادة مصرية بسعر معقول بدل الشهادات الأجنبية المسعّرة بالدولار. هذا درس نيجيريا بوجهيه.
- أفضلية للمنتج المصري في سياسة «السحابة أولًا» نفسها، كما في قانون التعاقدات، فتشمل الأدوات لا مراكز البيانات وحدها.
- مقياس سنوي لجاهزية السوق مع الغرف التجارية والجمعيات، حتى تُبنى التوعية على أرقام.
الخاتمة
يوم 1 نوفمبر لا ينتهي شيء، بل يبدأ. القانون في الاتجاه الصحيح، والمطلوب الآن أن نبني الطريق إليه: أدوات محلية، ومركز قادر، وسوق يفهم.